لم يمر الكثير من الوقت على دخولنا عام 2021 وسرعان ما تقدم مصطلح “التقنية المالية” أو “FinTech” إلى الصدارة في المنظومة التقنية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وليست المنطقة غريبةً على هذا القطاع، فقد رأينا صعود شركات مؤثرة خلال العامين الماضيين في مجالات خدمة “اشترِ اليوم وادفع لاحقًا” والمدفوعات وإدارة الثروات والعقارات وغيرها الكثير. ومن المؤسف أن نمو التقنية المالية على المستوى المحلي كان محدودًا بسبب غياب الأطر التنظيمية للخدمات المصرفية المفتوحة مما أدى إلى ضياع الفرص المتاحة للشركات الناشئة والبنوك والمستهلكين والمنظومة التقنية ككل. إلا أننا وصلنا إلى نقطة تحول تتولى فيها المملكة العربية السعودية دِفة القيادة، وذلك من خلال قيادتها للبيئة التشريعية والأطر التنظيمية لترسخ مكانتها كقائدة للمنظومة التقنية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

في هذا السياق لا بد لنا أن نوضح مفهوم “المصرفية المفتوحة” التي تمثل مبادرة تسمح بالنقل الآمن لبيانات الحسابات المصرفية (بتصريح من العميل) لمزود خدمة آخر أي أن البنوك تعطي صلاحية الدخول إلى بيانات العملاء لشركات التقنية المالية وتطور بنيتها التحتية الخاصة بها لدعم هذه العملية. فإذا كنت قد نقلتَ يومًا بياناتك عبر بطاقة الائتمان إلى تطبيق Mint.com أو تخطط للربط بين حساباتك علىRobinhood و Transferwiseوحسابك البنكي، فأنت تعتبر مستخدمًا للخدمات المصرفية المفتوحة. ولا تقتصر حالات الاستخدام على الأفراد فحسب بل تمتد لتشمل المؤسسات المالية وشركات التقنية المالية الحديثة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأوروبا وجنوب شرق آسيا.

“على المصارف التي تقدم خدماتها للأفراد أن تعتمد المصرفية المفتوحة وإلا فإنا ستتعرض للتهميش”، مجموعة بوسطن الاستشارية “BCG”

تشارك المؤسسات المالية بيانات العملاء مع أطراف خارجية منذ ما يقارب عقدًا من الزمان، وتشاركها منذ وقت أطول مع الجهات التنظيمية. بالتالي يصبح من البديهي أن توضع قضايا خصوصية وأمن البيانات على رأس اهتمامات الجهات التنظيمية المالية. ومن جانب آخر، شهدنا تطورًا ملحوظًا في السنوات الخمس الأخيرة في تعامل الأسواق العالمية المختلفة مع تنفيذ أطر المصرفية المفتوحة كما هو موضح فيما يلي:

المملكة المتحدة – أغسطس 2016- أصدرت هيئة المنافسة والأسواق قرارًا يُلزم أكبر تسعة بنوك في المملكة المتحدة بالسماح للشركات الناشئة المرخصة بالدخول إلى بياناتها بشكل مباشر.

سنغافورة– نوفمبر 2016- نشرت الهيئة المالية في سنغافورة بالتعاون مع جمعية البنوك في سنغافورة دليلًا حول التقنية المالية: Finance-as-a-Service: API Playbook.

الاتحاد الأوروبي– يناير 2018- أصدرت المفوضية الأوروبية توجيه خدمات الدفع 2 (PSD2) والذي يُلزم المؤسسات المالية بتقديم صلاحية الدخول لبيانات العملاء لمزودي الخدمة الخارجيين عبر واجهات برمجة تطبيقات (API) مفتوحة، كما يُلزم المؤسسات المالية ومزودي الخدمة الخارجيين بتطبيق ضوابط أمن البيانات ذات العلاقة.

هونغ كونغ– يناير 2018- نشرت هيئة هونغ كونغ المالية إطارها الخاص بواجهات برمجة التطبيقات المفتوحة.

البحرين– أكتوبر 2020- أطلق مصرف البحرين المركزي إطار العمل للخدمات المصرفية المفتوحة.

للوهلة الأولى، يبدو لنا أن هناك سوقًا واحدًا غائبًا عما ذكرناه أعلاه، ألا وهو سوق الولايات المتحدة. لم يسقط هذا السوق سهوًا عن القائمة، فحتى الآن لم تصدر الولايات المتحدة إطارًا تنظيميًا رسميًا للمصرفية المفتوحة وذلك لأسباب عدة. عوضًا عن ذلك، أصدرت الجهات التنظيمية الأمريكية توجيهات غير ملزمة بهذا الخصوص، إلا أن المؤسسات المالية بادرت إلى مشاركة البيانات مع شركات التقنية المالية لتقدم منتجات وخدمات جديدة لعملائها.

رغم أن أسواقًا أخرى قد سجلت تحركات مبكرة في هذا المجال، إلا أن الجهات التنظيمية في الشرق الأوسط الآن تستدرك ما فاتها. ففي الأسبوع الماضي، نشر البنك المركزي السعودي سياسة المصرفية المفتوحة وجدولاً زمنيًا لإطلاقها الكامل ملتزمًا بأن يكون ذلك في النصف الأول من عام 2021.

سياسة المصرفية المفتوحة، البنك المركزي السعودي “ساما”

رغم أن هذه السياسة لا تُشكل إطارًا تنظيميًا متكاملاً ولا تعتبر الأولى من نوعها في المنطقة، إلا أنها خطوة ذات أهمية كبيرة. فباعتبارها أكبر سوق في المنطقة (حوالي 24 مليون من سكانها بعمر يقل عن 30 عامًا)، أعلنت المملكة عن نظرتها المستقبلية المتقدمة تجاه التقنية المالية وانضمت إلى نظرائها من دول العالم لدعم قطاع الخدمات المالية في خطوة تحمي كلاً من العميل ومستقبل المؤسسات المالية في المملكة. فقد ولّت الأيام التي كانت فيها الإمارات العربية المتحدة وحتى البحرين السوقين الوحيدين اللذين يجذبان مؤسسي شركات التقنية المالية، إذ من المتوقع أن تتقدم المملكة لموقع القيادة في هذا المجال لتتبعها جاراتها ذات الأسواق الأصغر حجمًا.

تكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تعكس التزام المملكة واستثمارها في التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة. فقد شهدت زيادة سنوية بنسبة 55% في التمويل المباشر للمشاريع ضمن منظومتها، ولا يشمل ذلك استثمارات الصناديق المحلية مثل شركة جدا والشركة السعودية للاستثمار الجريء. إلا أن أموال الاستثمار الجريء تستغرق وقتًا لتتمكن من إنشاء منظومة قوية، ويتمثل إحدى سبل تحسين تلك العملية بمنح الشركات بيئة تنظيمية داعمة مع إتاحة الوصول إلى أكبر أسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (من ناحية الناتج المحلي الإجمالي).

لتنمية المنظومة بأكملها، من الأفضل البدء بإرساء الأسس التي تقوم عليها الشركات الناشئة في قطاع مرتفع النمو والتأثير كقطاع التقنية المالية. وحسب تقرير ماجنيت (Magnitt)، ارتفع الاستثمار في التقنية المالية بنسبة 19% عام 2020 مما يجعله ثالث أكبر قطاع ممول على مستوى المنطقة، هذا رغم نشاط الترخيص المحدود جدًا. وعند إلقاء نظرة أوسع على الفرص المتاحة، تزخر المنطقة بالكفاءات في مجال الأعمال المصرفية والأسواق والخدمات المالية التي لم تشهد حتى الآن تحولاً ثوريًا منذ تأسيس القطاع البنكي في المنطقة. كما نتج عن تزايد أعداد السكان من الشباب ومستخدمي الهواتف المحمولة تنامي الطلب على خدمات الدفع والمنتجات المصرفية الإلكترونية بالكامل وخدمات الوساطة الرقمية وغيرها الكثير. وبعد أن راقبت جاراتها الإمارات ومصر والبحرين وهي تحتضن قصص نجاح كثيرة في مجال التقنية المالية، مثل شركات فوري وثروة وبيت أويسس وتابي، استجابت السعودية بأطر تنظيمية متقدمة أتاحت فرصة لشركات مثل لين تكنولوجيز وهي منصة المصرفية المفتوحة السعودية الرائدة في المنطقة والتي يقع مقرها في الرياض.

سوق أبوظبي العالمي وماجنيت (Magnitt)، تقرير مشاريع التكنولوجيا المالية لعام 2019

قد يجادل أحدهم ويقول إن الحكومات الأخرى سرعان ما ستحذو حذو المملكة لتوازن المشهد وتحافظ على مكانتها في منظومة المنطقة. وبينما يمثل ذلك رأيًا معقولًا من الناحية النظرية، فإن وضع الأطر التنظيمية يستغرق وقتًا طويلاً ومهما سارعت هذه الدول في إطلاق أطرها الخاصة، لن تكون الحكومات الأخرى قادرة على إتاحة الوصول إلى سوق متجانس (بشكل أكبر) يضم 35 مليون نسمة.

ما زال هناك الكثير من العمل والجهود التي يجب أن تبذل، إذ يجب أن يوضع الإطار التنظيمي السعودي موضع التنفيذ وأن تبدأ البنوك في المنطقة بإشراك أطراف فاعلة مثل “لين تكنولوجيز” لتكتسب فهمًا لممارسات المصرفية المفتوحة المتبعة حول العالم. ولكن من خلال تسريع عملية تطوير إطار تنظيمي للمصرفية المفتوحة والاستثمار في الأطراف الهامة في المنظومة، ترسل المملكة رسالة مهمة إلى منظومة التقنية المالية في المنطقة والمنظومة التقنية ككل مفادها بأن بابها مفتوح أمام الأعمال. أضف إلى ذلك الإعلانات شبه الأسبوعية عن إصلاحات اجتماعية واقتصادية في المملكة، لتضاهي بذلك الرياض ولاية ميامي الأمريكية من حيث منظومتها التقنية الرائدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.